سعيد حوي
1930
الأساس في التفسير
. . إنه مشهد رائع . . مشهد الصراع العميق في خضم الحياة على طول الطريق . إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد ، إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة المعقد التركيب الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره - عنصر الطين الذي نشأ منه وعنصر النفخة من روح الله التي جعلت من هذا الطين إنسانا - إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك ، معقدة كل التعقيد . . يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الآفاق والعوامل التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها يتعامل مع ( الذات ) الإلهية مشيئتها وقدرها وجبروتها ورحمتها وفضلها . . الخ . . ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته ، ويتعامل مع إبليس وقبيلته ، ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه ، ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض ، ويتعامل مع بعضه البعض يتعامل مع الآفاق والعوالم بطبيعته تلك وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم . . وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط : يجري تاريخه من القوة في كيانه والضعف ومن التقوى والهدى ، ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية ومن التعامل مع قدر الله في النهاية . . . من هذا كله يتكون تاريخه . . وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه . والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيرا « اقتصاديا » أو « سياسيا » والذين يفسرونه تفسيرا « بيولوجيا » والذين يفسرونه تفسيرا « روحيا » أو « نفسيا » والذين يفسرونه تفسيرا « عقليا » كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة والعوالم المتباعدة التي يتعامل معها الإنسان ، ويتألف من تعامله معها تاريخه ، والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع ويحيط به وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله . ونحن هنا أمام مشاهد صادقة لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ، وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى ، ولقد شهدنا هذا الكائن . باستعداداته الأساسية ، شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ، والبارئ العظيم يعلن ميلاده ، وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه ، وشهدنا مهبطه إلى الأرض ، وانطلاقه في التعامل مع عناصرها